Thursday, June 5, 2014

صعوبة القواعد النحوية عند الطلاب ، أسبابها وطرق علاجها


المقدمـة :


تستقي اللغة العربية قوتها وعظمتها من القرآن الكريم ، و هي أداة الإفصاح والبيان في جميع ميادين المعرفة والحياة ، وتمتاز بأناقة اللفظ وفصاحته وجمال الأسلوب وجزالته ورقته وصيانته ، ولقد قيل : "إن لسان العرب هو أجمل لغة على وجه الأرض" ، وهي تشكل نبعاً ثرياً، ومُعيناً لا ينضب، ومجالاً خصبَ الإستلهام ، فبناؤها اللغوي ونظامها النحوي يجعلها تُعد من أوضح اللغات في العالم ، كما لعبت دوراً هاماً في نقل المعارف والعلوم و الآداب إلى الحضارات الأخرى.

ولكن هناك مشكلة يعاني منها أبناء الأمة العربية ، و على وجه الخصوص " الطلاب " في المدارس العربية ، و هذه المشكلة هي : "صعوبة القواعد النحوية في اللغة العربية " ، ولقد حاول كثيرٌ من الباحثين قديماً وحديثاً معالجة هذه القضية إلا أنهم قد غاب عنهم شيء وهو : أن الصعوبة ليست في قواعد النحو وإنما تكمن في طريقة تقديم تلك القواعد، وأسلوب تدريسها ، وعدم استعمال الأساليب المناسبة لتقريب النحو إلى أذهان الشباب ، وتحبيبه لهم بطريقة جذابة ، ومشوقة في المدرسة والمنزل والجامعة، مع العناية والاهتمام بتأليف الكتب المناسبة المشتملة على توضيح وتبسيط القواعد، والأمثلة الواضحة والشواهد المناسبة ،فـتلك القواعد والأمثلة عبارة عن وسائل وأساليب للبعد عن مواضع اللحن ومواطن الخطأ، فلنحرص على أن نجعلها في حلة زاهية وبيان رصين و مشوق .
إن الشكوى من صعوبة النحو وقواعده ليست جديدة في هذا العصر بل كانت قديمة ، ولقد بذل علماء اللغة العربية جهوداً كبيرة لتذليل تلك المشكلات ، فقد ألف الزمخشري كتاباً سمَّاه "المفصل" وكذلك خـلف ابن حيان وضع رسالة سمَّاها "مقدمة في النحو" ، والعالم اللغوي الشهير ابن مالك ألف كتاباً سُمي "التسهيل" وغيرهم من أئمة اللغة، وذلك بغية تيسير قواعد النحو وتذليل صعوبتها ، كما ظهرت في العصر الحديث مجموعة من الكتب والمؤلفات في قواعد اللغة العربية ، وكذلك اهتمام الأقسام التربوية في الجامعات والمعاهد والمدارس ، حيث عقدت المؤتمرات والندوات التي تهدف إلى تيسير قواعد النحو ، ومعالجة ضعف الطلاب وطرق التدريس ، وإبراز خصائص اللغة العربية وأهميتها ، وكيفية علاج ضعف المتعلمين مع العمل على تيسير اللغة وتقريبها إلى الطلاب وتحبيبها إلى النفوس ، وعدم الاقتصار على استخدام طريقة واحدة للتدريس، مع اشعار الطلبة بأهميتها وأنها لغة القرآن الكريم والحديث، وأنها الحافظة للتراث الإسلامي، وربطهم بروعة ما فيها من جمال وإعجاز، وتكوين اتجاهات إيجابية نحوها ، قال تعالى : {إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} . سورة يوسف. الآية 2






القواعد النحوية وسيلة لضبط الكلام، وصحة النطق والكتابة ؛ لذا يبذل فيها المعلمون جهدًا واضحًا، وبالرغم من ذلك فهي تعد من أعقد المشاكل التربوية ؛ إذ هي من الموضوعات التي يشتد نفور الطلاب منها ، ويضيقون ذرعًا بها، ويقاسون في سبيل تعلمها، فاستبد الضعف بشأنها في الطلاب ولم يعودوا يحتفلون بأمرها، بل كثيرًا ما كان ذلك سببًا في كراهيتهم للغة العربية بجملتها، وهذه الظاهرة في حاجة إلى بحث علمي ينتهي إلى معرفة مظاهرها، والأسباب الكامنة وراءها؛ لعلاجها على أسس تربوية صحيحة .
ولو أن الطلاب اختاروا بين فروع اللغة العربية لعزفت الكثرة الغالبة منهم عن النحو ، ولهم في تفسير ذلك إجابات مختلفة ، فمنهم من يشعر بأنه مادة جافة ، ومنهم من يرى أن قواعده صعبة الفهم ، ومنهم من يعجز عن تطبيقها بسهولة .
و ترجع ظاهرة ضعف الطلاب في استخدام القواعد النحوية إلى الأسباب الآتية :
1- البعد عن السليقة اللغوية ، وهي تنشأ بين قوم يتكلمون الفصحى، ويراعون حسها اللغوي، ويهتمون بأدائها التعبيري ويستخدمونها بتلقائية وعفو الخاطر ويجدون اللحن فيهاخروجًا عن التعبيرالسليم والذوق الفطري ويمجون سماعه ، لأن آذانهم لا تستريح للكلام الشاذ أو ما خرج عن السليقة اللغوية ، ولعلها - أي السليقة - قد انتهت - إلى حد ما - بانتشار الإسلام والمسلمين خارج الجزيرة العربية، حيث فشا اللحن فيها نتيجة الامتزاج والاختلاط ، وبهذا تحولت اللغة من الفطرة إلى الفطنة.
2- كثرة القواعد النحوية كثرة يضيق بها احتمال الطلاب في مراحل التعليم العامة، وتشعب التفاصيل التي تندرج تحت هذه القواعد وتزاحمها بصورة لا تساعد على تثبيت مفاهيمها في الأذهان، بل على العكس قد يعمل بعضها على طرد البعض الآخر بعد تعلمه.
3- اختيار القواعد النحوية التي تدرس لطلاب المدارس على أساس من منطق الكبار وتفكيرهم بحيث تبعد هذه القواعد عن الوظيفة في حياة الطلاب، ويزيد هذا الأمر خطورة على اللغة ، وتعقيدًا لدراستها وتعلمها أن التلاميذ في المدرسة وفي البيت وفي المجتمع يتحدث بعضهم إلى بعض في معظم أحاديثهم بالعامية يقضون بها حاجاتهم ، وهي في غنى عن تلك القواعد عند تأديتها لهذه الوظيفة الحيوية.
4- إبعاد دراسة القواعد عن النصوص الأدبية ، حيث إن القواعد لا تزال تدرس من خلال أمثلة مبتورة ، وجمل مفتعلة، وأساليب بعيدة عن الذوق العربي، مما نفـَّر المتعلم من القواعد، وتناهى إليه الإحساس أن تلك القواعد علم يدرس لذاته ، لا منفعه منه في الحياة أو استخدامه في اللغة المتداولة ، ومعروف أن قراءة الطلاب للنص الأدبي البليغ، وفهمهم له ،و وقوفهم على خصائصه يعطيهم المَلـَكـَه القادره على البيان، والموهبة المبدعة للأدب ، ويقوي الحاسة الأدبية في وجدانهم وأعماق شعورهم ، ويجسد أمامهم النماذج الحية البليغة التي يجب أن يقولوا على نمطها ، و أن يقتبسوا من فصاحتها ويأخذوا من بلاغتها، ما يطبع لسانهم على البيان الجيد و التعبير البليغ .
5- تدريس القواعد كمادة مستقلة قد تحمل الطلاب على أن يعدوها غاية في ذاتها ، فيستظهروها استظهارًا دون تفهم وتعقل ، ويهملوا جانبها التطبيقي ، وغايتها العلمية ، لأن دراستها لا توصل إلى هدف مباشر يحسه الطلاب كبقية المواد الأخرى.
6- درس النحو في أغلبه يعتمد على الجانب المجرد من المفاهيم والحقائق والمعلومات والقواعد ، وهو جانب لا يصل إليه الطالب إلا بعد أن يكون قد صدمه جفاف القواعد وتعددها ، وبعدها يكون قد وقر في نفسه صعوبة القواعد ، فتكبر معه هذه الصعوبة ، ويندرُ من الطلاب من يتخلص منها ، أو يتخلص من المقولة الشائعة بأن درس النحو صعب، ولا قدرة لأحد بالسيطرة عليه.
7- ضعف بعض معلمي اللغة ، وعلى رأس فروعها قواعد النحو ، وترتب على هذا الضعف تجنب هؤلاء المدرسين تدريس القواعد ، وسرى الخوف والهرب من تدريسها من جانب بعض المعلمين إلى التلاميذ ، مما أتيح لهؤلاء الطلاب أن يواروا استعداداتهم وميولهم تجاه القواعد ، وأن يستبعدوها من المواد التي قد يثبتون فيها ذاتهم.
8- عدم تعاون مدرسي المواد الأخرى مع مدرسي اللغة العربية في مراعاة القواعد النحوية عندما تسنح فرص التطبيق لاستخدامها في كتابتهم لطلابهم أو قراءة طلابهم لهم أو لزملائهم ، وذلك أما لجهلهم بها أو لاستهانتهم بمراعاتها شعورًا منهم بانفصال موادهم عن مادة اللغة العربية .







لقد بذلت المحاولات العديدة للتخفيف من وطأة الصعوبات التي تكتنف القواعد النحوية استهدافًا لعلاج ضعف التلاميذ فيها وإغراء لهم بالانتفاع بها في القراءة والكتابة، ولكن هذه المحاولات تركزت في جملتها على حذف بعض الأبواب التي تغلب عليها التعليلات المنطقية والفلسفية كالإعلال والإبدال، وتخفيف بعض الأبواب الأخرى بعدم التعرض لما لا يظهر أثره منها في اللفظ كالإعراب التقديري في المفردات والجمل، ونحو ذلك.
ومع أن هذه المحاولات لا سبيل إلى أنكار قيمتها في التخفيف من عبء النحو على أكتاف التلاميذ وتبسيط حقائقه، إلا أن المادة الباقية ظلت على تنظيمها حسب ما يرى الكبار، فهي مرتبة ومتدرجة طبقًا لوجهة نظرهم في أهميتها وصعوبتها، وكذلك لم يراع في تعليمها الأداء الوظيفي للمتعلم. ومن ثم بقي الضعف ملازمًا للطلاب في استخدام القواعد النحوية في الحديث والكتابة، ولم يقض على النفور منها وكراهية التمسك بها.
والواقع أن مشكلة الضعف في استخدام القواعد النحوية أبعد وأعمق من أن تعالج بهذه الصورة؛ لأن أي علاج لا ينجح في إثارة الدافعية إلى تعلمه لا يجدي في علاج الضعف فيه.
إذن فكيف تعالج هذه المشكلة ؟
لكي نعمل على علاج ظاهرة الضعف في استخدام القواعد النحوية علينا أن نتبع في تقرير مناهجها ووسائل تعليمها ما يأتي :
1- ألا تعدو في المرحلة الابتدائية أو غالبية صفوفها الممارسة والتدريب على النطق السليم ومحاكاة الأساليب الخالية من الأخطاء النحوية دون التعرض لهذه القواعد بتعريف أو تفصيل، وأن يكون النشاط التعليمي المتصل بها خاضعًا لميول التلاميذ وشغفهم بالحركة واللعب، فيقدم لهم في صورة استخدام لغوي مؤد لبعض الوظائف التي تتصل بحياتهم ونشاطهم مما تتسم به هذه المرحلة من العمر.
فالتدريبات اللغوية إذا سارت هذا المسار في بداية المراحل التعليمية فإن الأطفال يبدؤون مع قواعد النحو بداية سارة، وتتكرر مواقف استخدامهم لها استخدامًا علميًا، مما يعمل على إجادتهم لهذه المهارة من جهة، ويميل بهم من جهة أخرى إلى عدم النفور منها، وإلى حب مدرسيها والانتفاع بالدروس النحوية في المراحل التالية من التعليم.
2- لا بد أن يبدأ بناء منهج النحو بتحديد أساسيات المادة، ثم الاختيار من هذه الأساسيات ما يساعد التلميذ على الإسهام في حل مشكلات مجتمعه ومواجهة مشكلات حياته الخاصة وإشباع حاجاته وميوله، وإذا تسنى لنا تحديد القواعد النحوية التي يحتاج إليها الطلاب في كل صف من الصفوف الدراسية كان علينا أن نفكر في الكتاب المدرسي الذي يعرضها، وكيف يكون عرضه لها؟ ولعل من أهم الأسس التربوية في ذلك :
أ- ينبغي الاقتصار على الأبواب التي لها صلة بصحة الضبط، وتأليف الجملة تأليفًا صحيحًا؛ ولهذا ترى أنه لا داعي مطلقًا لدراسة الصورة الفرضية في التصغير والنسب وإعراب لاسيما، وأحوال بناء الفعل الماضي، وغير ذلك مما لا يتصل بضبط الكلمات.
ب- الاتجاه في أبواب الصرف إلى الناحية العملية، ففي دراسة المجرد والمزيد، يعنى بتدريب التلاميذ على الانتفاع بهذا الباب في معرفة طريقة الكشف عن المفردات اللغوية في المعاجم.
ج- أن تتأخر إلى المرحلة الجامعية وشعب التخصص العالي دراسة القواعد النحوية التي لا تتصل اتصالًا واضحًا بالمعنى، أو التي لا يظهر أثرها إلا في كلام الأقدمين شعرًا ونثرًا، على أن تكون الدراسة في هذه المرحلة متعمقة مستقصية لكل التفاصيل؛ حيث المقصود هنا هو تخريج الأكفاء ومنابع المعرفة من الأشخاص الذين يعتمد عليهم في هذا الميدان بحثًا وتدريسًا.
3- لكي يهيأ الجو الصالح الذي يساعد على نجاح الدراسة النحوية لابد أن يواجه المعلم مشكلة جوهرية من مشكلاته، هي دراستة دراسة قاعدية.، وذلك بأن يلتزم المعلم الحديث بلغة سليمة في دروس القواعد وفي غيرها، وفي الفصل وخارج الفصل، ويحمل تلاميذه على الحديث بها، وبأن يمتد ذلك إلى معلمي المواد الأخرى، بل إلى الحياة الإعلامية في الإذاعة والصحافة ، فإن مثل هذا الجو أقوى عونًا على أن يتحول استخدام القواعد النحوية عادات لسانية سليمة، تتأصل فلا تحتاج إلى معاناة في التذكر، ولا تؤدي إلى اضطراب أو تعثر، وذلك غاية ما يرجى من دراستها.
4- أن يعمل المدرس على توسيع دائرة التعميم وشموله في مواقف التدريس، وعلى حسن الفهم والتوضيح للمادة الدراسية، وذلك يقتضي استقراء التلاميذ بأنفسهم لعديد من الجزئيات التي تندرج تحته، والتدريب المستمر على الاستخدام الصحيح في أثناء الدرس وبعده، والجدية في ملاحظة التلاميذ وحسن توجيههم وإرشادهم في كل موقف يظهر فيه خطأ التطبيق أو انحرافه.
5- أن تساير الاختبارات وطرق تقويم التلاميذ في هذا المجال الاقتضاءات التدريسية السليمة بحيث تقيس مدى تحقيق أهداف تدريس القواعد النحوية. ومن ثم ينبغي ألا تعنى كثيرًا بالمصطلحات الفنية أو تسميع القواعد أو الاستشهاد على صحة قانون أو شذوذ بعض الأمثلة عنه أو نحو ذلك مما يجعل النحو غرضًا في حد ذاته بغض النظر عن فائدته الوظيفية في الأسلوب وصحة المعنى.

هذا وإن دراسة القواعد النحوية أمر واجب لحفظ لساننا من الخطأ بعد أن غزتنا اللغة العامية ، ولكن ليس علينا أن نرهق الطلاب بها ونهتم بتفاصيلها ظنًا منا أنها الوسيلة الناجحة التي تؤدي إلى تمكينهم من لغتهم و اقتدارهم على إجادة التعبير والبيان ، فقد ثبت أن إجادة التعبير ليست وسيلة التمكن من قواعد اللغة واستظهار مسائلها ، بدليل أن كثيرًا من الأدباء المرموقين قليلِّ الإلمام بالقواعد ، كما أن أكثر التلاميذ حفظًا لها يخطئ في كتابته خطأ فاحشاً ؛ ولذا كان علينا أن نختار من القواعد ماله أهمية وظيفية وفائدة عملية في الكلام ، جاعلين من درس القواعد وسيلة محببة تعين على سلامة اللسان والقلم من الخطأ، دون الإيغال في سرد التفاصيل النحوية والشواهد اللغوية، وحفظ المصطلحات والصيغ المحنطة.


منقول

No comments:

Post a Comment